النبي والملك في "ميزان" العثماني

النبي والملك في "ميزان" العثماني

2017-10-30 13:42:00

 
أنهى المؤتمر الدولي حول السيرة النبوية بالدارالبيضاء أشغاله (27 و28 أكتوبر 2017) بتوصيات غريبة. تم تسريب المؤتمر للمغرب بعد أن تولت علنا إحدى الجمعيات تنظيمه. لكن المنظم الحقيقي هو المنتدى العالمي للوسطية. منتدى تأسس ذات زمن بالأردن ليكون واجهة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ومن دار في فلكهم من السلفيات الذين يسمون "الصحوات". ولمزيد من التلبيس والتدليس استحضر المنتدى لمؤتمراته عددا من الشخصيات السياسية والفكرية التي لا علاقة لها بالإخوان.
المؤتمر الأخير تم برعاية من سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة. بل إن المؤتمر دار حول "كناش" كتبه منذ مدة حول "تصرفات النبي بالإمامة". هذا المؤتمر أخطر خطورة من غيره. لقد أراد منظموه الفعليون تمرير أطروحة "وهابية" من خلال ملتقى دولي وفي بلد يتولى فيه "الإخوان" تسيير الحكومة. أي التمكين لرئيس الحكومة ومن موقعه هذا ليصبح فقيها للأمة. يفتي في قضايا كبرى. يتطاول على موضوع أكبر منه بكثير لأنه لا اجتهاد دون شجاعة. ومن كان في بيت الدكتور عبد الكريم الخطيب ليلة أحداث 16 ماي الدامية يعرف منسوب "فقيه الحكومة" منها.
خرج المؤتمر بتوصيات لا تصدر إلا عن متطاول على مقام النبوة. من بين بينها، إحداث لجان تابعة للمؤسسات المنظمة قصد التفكر في القضايا التطبيقية في حياة النبي والتمييز بين ما أتى منها بصفته الرسالية وما أتى بصفته البشرية، دون أن ننسى التوصية المميزة المتعلقة بتدريس كتاب سعد الدين العثماني "التصرفات النبوية في الإمامة" ضمن برامج ومقررات الجامعات.
ما راج في المؤتمر وما يوجد في كتاب العثماني، لا قيمة علمية له. يدور مدار مجموعة من النصوص القديمة التي امتدت عبر تاريخ المسلمين وكان الغرض منها النيل من النبي.
نسائل المؤتمرين أصحاب التوصية العجيبة: بأي معيار ستعرفون ما ورد عن النبي وتصنفونه إن كان مندرجا ضمن الرسالة أو ضمن اجتهاده البشري؟ إذا صدقنا هذا التمييز في أقوال وأفعال النبي، هل دلنا صاحب الرسالة على الأداة التي من خلالها نميز؟ لم يتأكد لدى أحد من المسلمين أنه يوجد هذا التمييز إلا في المدرسة الوهابية والتيمية سليلة الإسلام الأموي، الذي هو انتقام من الإسلام نفسه.
دار الزمن بالنبوة حتى انبرى العثماني يضع المعايير ليحاسب النبي (حاشاه) عن تصرفاته. هل توجد وقاحة أكبر من هذه الوقاحة؟
العلمانيون، واستثني هنا بعض العلميانيين الوقحين، لا مشكلة لديهم مع الدين. يسعون ليحتل كل واحد مجاله. يريدون سياسة مدنية. وبعض العلمانيين الجدد مثل شارل تايلور يتجاوزون مفهوم فصل الدين عن الدولة للبحث عن لحظة دخول الدين في المجال العام ولحظة الخروج منه. لكن بالنتيجة هؤلاء صادقون مع أنفسهم ومع الآخرين. لا شأن لهم بالدين ويعتبرونه قضية تهم أصحابها.
أما هؤلاء الذين كانوا دراويش. وتمكنوا من الحكومة. وخربوا الدنيا بالعديد من الإجراءات. وأوقفوا الاقتصاد. واعتدوا على معاش الناس. لم يكفهم ذلك بل انتقلوا إلى تخريب دينهم بعد دنياهم. لم يطلب الناس من العثماني ومن معه أن يكون فقيها في الدين ولكن فقيها في الدنيا. فقيها يصلح أحوالهم لا يفرض عليهم إجراءات مرعبة وهم يضحك.
لم يكن لدى المغاربة مشكلة مع نبيهم. فهو مقدس. لا يخطئ في أية لحظة. "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى". تخطيء النبي هو ضرب للدين بشكل نهائي. ماذا سيعمل الناس بنبي يخطئ. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إنه لا يعرف حتى ما يعرفه أدنى الناس ويتسبب في هلاك المحصول الزراعي المصدر الوحيد للعيش. أمام هذه الترهات الأموية، التي استدعاها العثماني ويروج لها من موقعه رئيسا للحكومة، أي قيمة تبقى للنبي؟
بدون حياء رسم له صورة مسيئة للغاية. لم يجتهد في البحث عن مسوغاتها فهي مبتوتة في التاريخ الإسلامي. الذي كتبه المتغلبون وفرضوا رؤيتهم للنبوة وللرسالة. النبي عندهم يخطئ. إذا كان الأمر كذلك هل سيبقى مصدر لعصمة الرسالة؟
ليس هذا غرضنا لكن هناك سؤال محير: لماذا يسعى العثماني من موقع الحكومة إلى الترويج لهذه الأفكار؟ ما الغرض وراء نزع القداسة والعصمة عن النبي في تصرفات الإمامة؟ لماذا العودة إلى الموضوع الذي أشبعه الأمويون كذبا وادعاء وافتراء؟
إذا كان لدى العلمانيين الكلاسيكيين مبرر للفرز بين الدين والدولة. بين الدين والسياسة. بين المقدس والمدنس. فإن العثماني ومن يدور في فلكه يخترقون الدين قصد تدنيسه لتبرير سلوكاتهم السياسية.
المعروف عن الإسلاميين في المغرب وخصوصا من اندمجوا في حزب الدكتور الخطيب أنهم لم يكونوا ضد الدولة ولا ضد النظام. بل كانوا يعبرون عن استعدادهم للتعاون معه لضرب اليسار كما تشير إلى ذلك الرسالة التي بعثها بنكيران إلى إدريس البصري، الوزير القوي في الداخلية. ولكن كانت لديهم مشكلة تاريخية مع إمارة المؤمنين. وخصوصا إذا كانت ترتكز على النسب الشريف. وكل التوجهات الإخوانية والوهابية لديها هذا التوجه.
إذن إذا كان مؤرخو الانحراف سعوا جاهدين لما يسعى له العثماني اليوم من نزع القداسة عن النبي في تصرفات الإمامة، فما الغرض من العودة إليه بهذه الطريقة؟ إن تخطيء النبي دون المساس بمقام الصحابة والخلفاء يدخل في إطار الصراع الأول ليس على السلطة ولكن على مقام إمارة المؤمنين. العلماني واضح. يريد دولة مدنية لكن الإسلامي وهو يقبل مرغما شروط الديمقراطية يبقى ينازع في السلطة الدينية.
إذا تم نزع القداسة عن النبي فبالأولى نزع الشرعية الدينية عمن ينتسب إليه. وهذا موقف ليس جديدا فقد سبق أن عبر عنه أحمد الريسوني، حين كان رئيسا لحركة التوحيد والإصلاح، حيث قال في حوار مع صحيفة أوجوردوي لوماروك "إن الملك محمد السادس ليس أهلا لإمارة المؤمنين، وإن المطلوب هو إنشاء مؤسسة للإفتاء الديني تضم العلماء"، وعندما حوصر زعم أن الصحيفة حرفت كلامه لأنه لا يعرف الفرنسية، فاستحق بذلك غضب الدكتور الخطيب الذي وصفه في خروج إعلامي بـ"الغبي".
المؤتمر إذن ومعه الكتاب/الكناش محاكمة للماضي من خلال التطلعات للحاضر، وهي تطلعات لا يبقى معها شيء مقدس بل يتم تدنيس كل شيء من أجل الهيمنة على "السياسة"، واستغلال حتى الحكومة لضرب مصدر الحكومة عبر جره لصراع آخر بعيدا عن البوابة التي دخلوا منها، أي بوابة الديمقراطية والانتخابات.
الإساءة للنبي تابثة عند الأمويين والسلفيين والوهابيين، لكن في المشروع الإخواني المغربي هي أداة للصراع من منطلقه الأول بعد أن تمكن الإخوان من الظفر بالحكومة التي هي مجرد أداة للتمكين.
 
  
 


صاحب المقال : إدريس عدار