كيف فسدتِ الكرةُ بالسياسة ثم اغتالها المال؟

كيف فسدتِ الكرةُ بالسياسة ثم اغتالها المال؟

2018-06-28 11:46:09

قد يسألني القارئ الكريمُ سؤالاً مهمّا وهو: لماذا نجد دولاً متخلّفة، لكنّها متفوّقة في كرة القدم؟ فما هو الأصل أو السر في ذلك؟ فمنذ أن أبدع الفرنسي [جول ريمي] مسابقةَ كأس العالم، أحرزتْه [الأورغواي] سنة (1930)، وسنة (1950)؛ و[إيطاليا] سنتيْ (1934، و1938)، وأول دولة ديموقراطية تحرز كأسَ العالم، هي [ألمانيا الغربية] سنة (1954)؛ فما هو السبب في ذلك؟ السبب هو الأنظمة الديكتاتورية والفاشية التي أصّلت في شعوبها لِكرة القدم، لأسباب سياسية، وغرستْها في نفوس مواطنيها المقموعين، وشجّعت ممارستَها، وجعلت منها نضالاً، وبطولة تبرز عظمةَ الشعب، وقوتَه، وتقدُّمَه.. كان [موسّوليني] الفاشي الإيطالي، يخاطب اللاّعبين، كما كان يخاطب الجنود، والمقاتلين؛ كان يتحدّث عن المنافسين وكأنّهم خصومٌ، وأعداء وجب الانتقامُ منهم، وإذلالهم، وتحت هذا التحميس والترهيب، فازت [إيطاليا] في (باريس) على (العدوّة) [تشيكوسلوفاكيا] بنتيجة [2 مقابل (1)]؛ وقبْل مباراة النهاية سنة (1934) بعث [موسُّوليني] برسالة إلى الفريق الإيطالي يقول فيها: [إنّ الطائرةَ التي ستنقلكم إلى (روما) لتحتفي بفوزكم، يمكن أن تنقلَكم مباشرةً إلى السجن؛ فاختاروا قبْل النزال أيهما تفضّلون]؛ وكان أسلوب التهديد واضحًا تماما، ممّا أرعب اللاعبين..
وفي سنة (1938) نظّم كأسُ العالم في [إيطاليا] الفاشية، وبقيتْ للنهاية [إيطاليا، وهانغاريا]؛ وقد حضر المقابلةَ ضبّاطٌ فاشيون، يتقدّمهم الجزّارُ [بادوغْليو]، وقد صافح اللاعبين، وقال لهم: [الهزيمة مرفوضة في العهد الفاشي]؛ وفازتْ [إيطاليا على المجر] بأربعة أهداف مقابل اثنين.. وبذلك كان [الدوتشي موسُّوليني]، هو أوّل من ربط كرةَ القدم بالسياسة، تلاه في ذلك [فرانكو] في [إسبانيا]؛ وكما وظّفَ الكنيسةَ لتدعيم حُكْمِه، استثمر كرةَ القدم، حتى لإنَّك كنتَ تجد الشيخ الهرم غاضبًا، وإذا ألقيتَ بكرةٍ بين قدميْه، صار طفلاً ضاحكًا وسعيدًا.. في سنة (1964)، بقيت [إسبانيا] لنهائي كأس (أوربّا) للأمم، ضدّ (الاتّحاد السوڤياتي)؛ فاستقبل [فرانكو] اللاعبين، قائلاً لهم: [لقد سحقتُ الشيوعيين من أجل (إسبانيا)؛ والآنْ جاء دورُكم لتسحقوهم في ميدان كرة القدم؛ فأرُوني قتاليتَكم، وروحَكم الوطنية]، ثم هتف، وتبعه الجميع: [المجدُ لإسبانيا!].. كان الملعبُ مملوءًا عن آخره، وكانت هيستريا لا توصَف، وفازت [إسبانيا] على (الاتحاد السّوڤْياتي)، وابتهج [فرانكو] كيوم ابتهاجه بهزيمة الشيوعيين أمام الوطنيين في الحرب الأهلية الإسبانية سنة (1936).. ففي كل هذه البلدان المتخلّفة، كان الشابُ يحلم أن يصبح لاعبًا، نظرا للقيمة التي تُضْفَى على اللاعبين، الذين صار بعضهم بمثابة أوثان معبودة، وهو ما يسمّى بالفرنسية [les idoles]؛ ولكنْ لماذا لم يواكبْ كرةَ القدم، التقدُّم العلمي؟ هذا ميدانٌ آخر؛ يعني مجال العقل؛ والعلم هو مفتاح مغاليق المستقبل، وشتّان بيْن هذا وذاك..
قد يلاحظ القارئُ النّبيه منذ متى ارتبطتِ الكرةُ بالسياسة؛ ومنذ متى تحوّلتْ إلى مخدِّر، وإلى وسيلة لإخفاء العبودية، وآثار الواقع المزري.. لقد أخفتِ [الأرجنتين] بكأس العالم سنة (1978) مظالم، واختطافات الطغمة العسكرية الحاكمة؛ وكذلك هو الشأن في بلدان أخرى كـ(البرازيل) مثلاً و(المكسيك) وهلمّ جرا.. فعندما فازت (الأورغواي) بكأس العالم سنة (1930)، شهدتِ البلادُ احتفالات دامت أسبوعًا كاملاً ليلا ونهارًا كما يروي التاريخ.. والآن صدِّقْ أو لا تصدّق؛ فمباراة التأهيل لكأس العالم (1970) كانت سببًا في حرب عسكرية طاحنة بين [السالفادور] و[الهندوراس]؛ وهكذا، سبقتِ السياسةُ إلى كرة القدم فأفسدتْها، ثم تحالفَ معها المالُ، وبذلك اغتيلتْ هذه الرياضةُ، وتحوّلتْ إلى تجارة، وسمسرة، ومؤامرة، وتلاعُب، وخداع؛ وقبل الختام، أريد إطْلاعَ القارئ الكريم، على قرار، وإنْ كان شخصيًا صِرْفًا، وهو أنّي أشاهد آخر كأس العالم المنظّم في (روسيا) الآن؛ ولن أشاهدَ أبدًا كأسَ العالم لو استطال العمرُ بي؛ الذي سينظّم في دولة [قطر] التي عملتْ على زعزعة الاستقرار في وطني، والذي ستنقل مبارياتِه قناةُ (الجزيرة)، لسانُ دعاة الإرهاب؛ كما لن أشاهد كأسَ العالم الذي ستدور أطوارُه في [أمريكا]، لأن وراءَه كان (ترامب)، (هتلر) زمانه؛ هذا ليس كذبًا وادّعاء فارغًا؛ بل هو عهْد مواطنٍ صادق، محبّ لبلده، وشعبه، وملكِه.. لقد كان المغرب أولى بكأس العالم من [قطر]، ومن [أمريكا] الطاعون..


صاحب المقال : محمد فارس
إظافة تعليق