المسيرة الخضراء أجهضت وعد بَالفُور الجزائري

المسيرة الخضراء أجهضت وعد بَالفُور الجزائري

2017-11-21 09:24:22

سوف نتحدث اليوم عن محطات تاريخية كان لها تأثيرٌ قوي على الأحداث التي تلت، وهذه السطور لا نتوجه بها إلى مَن كانوا في القنوات الفضائية، وخلال برامجهم المشبوهة، يقمعون كل من تطرّق للتاريخ قائلين بصراخ: [يا سيدي بلاَشْ تاريخ الله يخلّيك!] ثم يقطعون عليه الخط، لأن التاريخ كان ممنوعا من طرف الصهاينة الذين يتحكّمون في تلك القنوات، لأنه [أي التاريخ] يدينهم، ويعرّي عن أسرارهم، ويكشف النقابَ عن أشرارهم.. واليوم، عادوا يعتمدون التاريخ، ولكنْ بشكل مشوَّه، ومكذوب، ومن الناس من ما زال يصدّق تاريخَهم المروي، والمحشو بالأكاذيب، والأضاليل، ومختلف الأباطيل، بهدف التضليل.. وإذا دقّقتَ النظرَ جيدا، لألفيتَ أنهم يستخدمون [التّأريخ] بدلا من [التاريخ]؛ لماذا؟ فهل هناك فرقٌ بين هذا وذاك؟ الجواب: بكل تأكيد! كيف ذلك؟
يقول الفيلسوف الوجودي الألماني [كارل ياسْبيرز: 1883 ــ 1969]: [أنا أعرف مَن أنا عن طريق تاريخي، عن طريق الماضي الذي تكدّس من خلفي..]؛ فسألناه: [يا أستاذ، ما الفرق بين التأْريخ والتاريخ؟] فأجاب: [التأْريخ هو العلم بحوادث الماضي خلال التسلسل الزمني للعالم؛ وأما التاريخ فهو شعور الذات بما حققتْه في مظاهر نشاطها المختلفة؛ والشعور التاريخي، هو النور الذي يوضّح تاريخيةَ الآنِية؛ أي أدركُ كلّ حالة أوجد فيها، فأحاول الخروج منها بعد إدراكي لها..]؛ فالله سبحانه وتعالى، يعتمد التاريخ في كتابه العزيز، فيوضّح أسبابَ هلاك أمم سادتْ ثم بادت بسبب أفعالها؛ فيذكُر التأريخَ، يعني يوم هلاكها، ويستعرض التاريخَ مبيّنا أسباب وعوامل هلاكها باستفاضة ودقّة بالغة لمن يتذكّرون، ولمن يعْقلون.. فهل نحن ندرس التاريخ أم نسْرد التّأريخ؟ الجواب: نحن نستعرض التأريخ، ولا نتطرق للتاريخ، بل هذا ما نعتمده حتى في تدريس العلوم الحقّة في مدارسنا ممّا يجعلنا عاجزين عن استيعابها بسبب [محنة العقل] في عالمنا العربي الذي هو في تطوّر دائم إلى الخلف، فما بالك باستيعاب ودراسة تاريخنا، وهذا سببُ جهْلِنا مَن نحن؟ وماذا نريد؟ وماذا ينبغي أن نفْعل؟ فنحن من هذا التاريخ إمّا نألم لذكرى مأساة، وإما نطْرب لذكرى ملهاة، وإمّا نرقص خلال مهرجان لإحياء موروث لا طائل من ورائه ممّا يبرز التفاهات التي انحدرت إليها عقولنا المشلولة..
قد يسألني القارئ الكريم عن سبب صياغة هذه المقالة الملتهبة؛ وجوابي هو: بما أنّي كائن تاريخي، يعني [أوجد هنا والآن]، وأتذكّر ما كان، وأرقُب ما سيكون في تسلسل الزمان، فإني لاحظتُ أن الأسبوع الأول من هذا الشهر، يعني (شهر نونبر) ومِن واحد منه إلى سبعة، يزخر بالتاريخ؛ كيف ذلك؟ ففاتح نونبر هو عيد استقلال بلد المليون شهيد، الذي صار في مستوى العبيد، بسبب سيطرة الطغمة العسكرية التي تتحكّم في مقاديره حتى أوصلتْه إلى حافة أزمةٍ خانقة تنذر بنهاية حارقة، وبالنزول إلى هوة سحيقة، لا بارقةَ من أمل فيها؛ وقد كان من المفروض، أن يتطوّر هذا البلدُ إلى مستوى متقدّم، ولكنّه انتقل من أغلال استعمار إلى سلاسل استعمار أشدّ وطأةً ممّا سبقه، ويعيش ظروفًا الله وحده أعلم بمداها، ومنتهاها، رغم خيرات جادَ بها عزّ وجلّ على هذا الشعب النبيل؛ لكنْ هذه الخيرات سُرِقت، ونُهِبت من طرف لصوص يدّعون الوطنية والنزاهة..
أما ثاني (نونبر 2017) فكانتِ الذكرى المائوية لوعْد [بالفور] البريطاني، الذي بمُوجبه أُعطيَ وعدٌ للصهاينة [بإقامة دولة إسرائيل]، وقد فضّل [وايزمَن] لفظة [عودة] بدل لفظة [إقامة] طبقا للأساطير الإسرائيلية؛ وقد طالب العربُ [بريطانيا] بتصحيح هذا الخطإ الذي ارتكبتْه، فكان جوابُ الشّمطاء [تيريزاماي]، رئيسة وزراء [بريطانيا]، بأنّ [وعْد بالفُور]، هو إنجازٌ تفْخر به عبر التاريخ؛ وأُقيمَ عَشاءٌ في [لندن] حضره رئيسُ وزراء الكيان الغاصب [نتانياهو]، وحضره أحدُ أقارب الوزير [بالفور]؛ ولكنْ هل كان فعلاً [بالفور] هو كاتِبَ، وصاحب هذا [الوعد] المشؤوم؟ ذاك ما سنراه بعد قليل.. وأما يوم [06 نونبر 2017]، فكانت ذكرى [المسيرة الخضراء] المظفّرة، التي أجهضتْ [وعد بالفور الجزائري] في صحرائنا المسترجعة، وهو [وعْد] أُعطِيَ لمرتزقة [البوليساريو] بإقامة دولة لهم في الصحراء المغربية.. ويوم [07 نونبر]، يذكّر بيوم [07 نونبر 1917] يوم أطلقت البارجة [الفجر] قذائفَها على القصر الرئاسي، واكتسحه المجرمون، وسجَنوا كلّ وزراء الحكومة الروسية، وانقضّ الصهاينة البلاشفة على الحكم، بعد ذلك، أُعدِم الإمبراطور [نيكولا الثاني]، وزوجتُه، وأطفالُه الستة، في ڤيلا [هيبَّاتْيِيف]، بقرية [يَكتَارِينْبُور] في [الأُورال] على يد المجرمين الشيوعيين؛ وفي المقالة اللاّحقة، سندرس بعض هذه الأحداث المأساوية وسنحترم تسلسلها في الزمن التأْريخي عبر التاريخ.


صاحب المقال : محمد فارس
إظافة تعليق